السبت 23  شوال 1439 هـ الموافق 07-07-2018 مقديشو ( صوت الصومال ) ـــــ رغم فشل الخطط الأمنية السابقة فى وضع حد لموجة الاغتيالات والتفجيرات فى العاصمة الصومالية مقديشيو، إلا أن الحملة الموسعة الجديدة، التى انطلقت منذ 24 يونيو الماضي، ويشارك فيها الجيش والشرطة والاستخبارات، بالتعاون مع بعثة الاتحاد الأفريقى «أميصوم»، تأتى متزامنة مع متغيرات داخلية ودولية، تجعل منها فرصة مواتية لإنقاذ البلاد من براثن تنظيم «داعش»، وحركة «الشباب»، المحسوبة على تنظيم القاعدة الإرهابي. ويزيد من التفاؤل، أن الأسباب التى ساعدت حركة الشباب و«داعش» على التوسع فى الصومال، وهى انتشار الفساد وتعاظم نفوذ العشائر، وتردى الأوضاع الاقتصادية، وانفصال بعض الأقاليم، وغياب الاهتمام الدولى بالبلاد، يجرى معالجتها حاليا، وبتنسيق داخلى وخارجي. وكان ظهور «داعش» كلمة السر فى الإسراع بعودة الاهتمام الدولى بالصومال، والحرص على مساعدة حكومة الرئيس محمد عبدالله فرماجو، لتجاوز العقبات الأمنية والاقتصادية، التى تحول دون نجاحها فى تحقيق انتصار سريع على التنظيمات المتشددة.
جاء تصاعد وتيرة الاغتيالات والتفجيرات فى مقديشيو فى الأسابيع الأخيرة، ليدق جرس الإنذار، بأن الأسوأ لم يقع بعد، وأن الصومال فى طريقه للعودة إلى دولة فاشلة مجددا، ما لم تتضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية لإنقاذ البلاد، قبل أن تتحول إلى ساحة صراع بين «داعش» و«القاعدة» للفوز بلقب زعامة الإرهاب العالمي، وبالتالى تفجر منطقة القرن الأفريقى برمتها، مع ما تمثله من أهمية محورية للتجارة العالمية، بالنظر إلى أن الصومال يطل على البحر الأحمر وباب المندب. ويبدو أن التصريحات التى خرجت فى الذكرى الـ٥٨ لاستقلال الصومال عن الاستعمار البريطانى والإيطالى فى مطلع يوليو ١٩٦٠، كشفت مدى شعور الجميع بالمسئولية تجاه إنقاذ هذا البلد قبل فوات الأوان.
ففى ٢ يوليو، أعرب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن تطلع بلاده لمواصلة شراكتها مع شعب وحكومة الصومال، نحو مستقبل أكثر إشراقا، وقال فى رسالة تهنئة إلى «فرماجو» بمناسبة ذكرى الاستقلال، إنه يجب مواصلة العمل لبناء صومـال مستقر ومزدهر، وإن الولايات المتحدة ستستمر فى دعمه من أجل تحقيق ذلك.
وبدوره، دعا «فرماجو» إلى استئناف المفاوضات بين الحكومة الاتحادية وإدارة «صومالاند» شمال البلاد، التى أعلنت من جانب واحد انفصالها عن الصومال فى ١٩٩١.
وأكد «فرماجو» فى كلمة ألقاها فى مطلع يوليو بمناسبة يوم الاستقلال وتوحيد شطرى الصومال، الشمال والجنوب، إنه وأعضاء حكومته مستعدون لدخول مباحثات جادة وحقيقية مع «صومالاند»، مؤكدا ضرورة الحفاظ على وحدة البلاد وإنهاء الخلافات بين الصوماليين فى إطار بلد موحد.
كما حث فرماجو إدارتى «بونت لاند» التى أعلنت الحكم الذاتى فى ١٩٩٨، و«صومالاند»، على وقف الحرب الدائرة فى منطقة «توك رق» بإقليم سول شمال الصومال، وحل الخلافات بينهما بالطرق السلمية.
وبدوره، أشاد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة فى الصومال مايكل كيتنج، بالإنجازات السياسية والاقتصادية والأمنية التى حققتها القيادة الصومالية خلال الـ ١٢ شهرا الماضية.
وقال مايكل كيتنج فى بيان فى ٢ يوليو بمناسبة ذكرى استقلال الصومال، إن هذه الإنجازات تمثلت فى تفادى مجاعة كانت تلوح فى الأفق وزيادة الإيرادات، وإصدار تشريعات وقوانين أساسية، وتعزيز أطر العمل بين الحكومة الفيدرالية والدول الأعضاء فى الأمم المتحدة.
وأثنى «كيتنج» أيضا، على الإنجازات التى تحققت فيما يتعلق بمسار المراجعة الدستورية والنموذج الانتخابي، وإصلاح قطاع الأمن، إلا أنه حذر من التحديات الكبيرة المتمثلة فى الإرهاب والنزاعات السياسية، التى قد تؤدى إلى تقويض الجهود المبذولة لتحقيق نتائج تعود بالفائدة لجميع الصوماليين. وأضاف أن الأمم المتحدة والشركاء الدوليين يعملون بشكل وثيق مع القادة الصوماليين لمساعدتهم فى تحقيق نتائج ملموسة على الصعيد الأمنى وتوفير الوظائف والخدمات بشكل يعزز سيادة القانون والمساءلة.
إحصائيات مفزعة 
يبدو أن الوقائع على الأرض تكشف عن أن الحكومة الصومالية والمجتمع الدولى فى سباق مع الزمن لإعادة الاستقرار للصومال بصفة عامة والعاصمة مقديشيو بصفة خاصة.
ففى ٢٤ يونيو الماضي، أعلنت الحكومة الصومالية بدء عملية أمنية، تعد الأكبر من نوعها لضبط الأوضاع الأمنية فى العاصمة، تمثلت فى نشر قوات أمنية فى الشوارع ورفع حالة التأهب على مداخل المدينة، وذلك بمساعدة قوات الاتحاد الأفريقى فى الصومال «أميصوم»، التى أعلنت أن حملات أمنية موسعة بدأت فى مناطق حواء عبدى ولفولى وأفجوى ولانتبورو فى جنوب مقديشيو، لملاحقة عناصر حركة «الشباب»، وخلايا تنظيم داعش.
وبإلقاء نظرة على هجمات «الشباب» و«داعش» فى قلب مقديشيو، نكتشف أن الحملة الأمنية جاءت فى توقيتها، وأن أى تأخير، كان سيأتى بكوارث أكبر، ففى ٣٠ يونيو، تبنى «داعش»، فى بيان عبر موقع «التيلجرام»، مسئوليته عن اغتيال اثنين من الموظفين الحكوميين فى العاصمة الصومالية، وعرض التنظيم صورا لاثنين من مسلحيه، وهما يقومان بعملية الاغتيال للموظفين فى سوق «بعاد» بمقديشيو.
وفى ٢٣ مايو الماضي، أعلن «داعش» أيضا مسئوليته عن اغتيال شرطى مرور بإطلاق الرصاص عليه بسوق «بكارو» الشهير الذى يقع فى قلب العاصمة الصومالية، وفى ١٤ مايو، تبنى داعش أيضا اغتيال ضابط استخبارات صومالى فى سوق «بكارو»، كما كشف موقع «الصومال الجديد»، عن أنه فى أبريل الماضي، ألقى القبض أيضا على متشدد يشتبه فى أنه تابع لداعش فى مقديشيو، بحوزته مواد لصنع القنابل.
وحصل «داعش» على موطئ قدم له بالصومال فى عام ٢٠١٦ بعد استيلائه لفترة قصيرة على بلدة «قندالا» بولاية بونت لاند فى شمال شرقى الصومال فى أكتوبر ٢٠١٦، وسيطر التنظيم الإرهابى على البلدة منذ ما يقرب من شهرين قبل أن تشن قوات بونتلاند حملة عسكرية لاستعادتها.
ويتزعم فرع تنظيم «داعش» فى الصومال عبدالقادر مؤمن، الذى كان مسئولا فى حركة الشباب المتشددة، حيث ترك هذه الحركة المرتبطة بتنظيم القاعدة فى عام ٢٠١٥.
وتتمركز عناصر داعش فى جبال جل جلا فى شمال شرق الصومال، وكشف موقع «لونغ وور جورنال» (long war journal) الأمريكي، المختص بأخبار التنظيمات المسلحة، فى ٢٣ يوليو الماضى أن تنظيم داعش كثف خلال الفترة الأخيرة من عملياته العسكرية فى الصومال، التى تنوعت بين اغتيالات وتفجيرات فى عدة مناطق من البلاد. وأضاف الموقع أن عدد العمليات التى ينفذها داعش فى الصومال فى ازدياد، حيث وصل إلى نحو ٤٥ عملية، شملت اغتيالات وتفجيرات، وقع أغلبها فى العاصمة مقديشيو، تلتها محافظة شبيلى السفلى فى جنوب البلاد، ثم ولاية بونت لاند فى الشمال.
وأشار الموقع إلى أن التنظيم ضاعف عملياته فى الصومال خلال ٢٠١٨، مقارنة بعامى ٢٠١٦ و٢٠١٧، وأن عدد مقاتلى داعش فى الصومال يصل إلى ما بين ٢٠٠ و٣٠٠، كما تعد جبال غولس فى ولاية بونت لاند أكبر معاقله.
وأضاف أن عمليات التنظيم شهدت تنوعا فى أهدافها، إذ استهدفت عددا من رجال الأعمال ورجال الأمن وموظفى الحكومة، إضافة إلى نشطاء سياسيين.
وفى تفسيره لأسباب ازدياد نشاط «داعش»، قال حسن حيلة، المستشار السابق فى الرئاسة الصومالية لإذاعة «صوت أمريكا» فى ٢٣ يونيو الماضي، إن تدهور الوضع الأمنى فى مقديشيو وبعض المناطق الجنوبية هو السبب الأساسى للظاهرة، وأضاف أن هناك تقارير متداولة حول أن «داعش» تمكن من الحصول على عتاد قتالي، وتوسيع نفوذه من خلال تجنيد مقاتلين، وحذر من أن «حركة الشباب» و«داعش» بدأتا فى الأسابيع الأخيرة تفعيل استراتيجية جديدة لتفادى الاصطدام بينهما مؤقتا، وتوجيه قتالهما ضد الحكومة الصومالية.
 
بيئة مواتية 
وتتسق تصريحات «حيلة» مع الحقائق على الأرض، حيث زادت «حركة الشباب» أيضا فى الفترة الأخيرة من وتيرة هجماتها فى مقديشيو، وتحديدا استهداف رجال الشرطة والمواقع الأمنية، ففى ٣٠ يونيو، واغتال مسلحون من الحركة شرطيا فى منطقة آبار المياه فى ضواحى العاصمة الصومالية، وتمكنوا من الهرب، بعد أن أردوه قتيلا.
وذكرت وسائل الإعلام الصومالية، حينها أن اغتيال الشرطى عبدالرشيد طاهر حسن، جاء بعد اغتيال والده، الذى يعمل فى الشرطة أيضا، فى هجوم شنته الحركة فى وقت سابق هذا الشهر على أحد فنادق العاصمة. وفى ١١ يونيو، تصدت قوات الحكومة الصومالية، لهجوم شنته «الشباب»، على نقطة تفتيش تابعة لجهاز المخابرات فى ضواحى العاصمة مقديشيو، وأفاد موقع «الصومال الجديد»، حينها، بأن سكان المنطقة، التى تقع بها نقطة التفتيش، فوجئوا، بقتال عنيف بين المهاجمين والقوات الحكومية، التى ردت عناصر «الشباب» على أعقابهم.
وتشن حركة «الشباب»، هجمات متكررة للإطاحة بالحكومة المركزية الصومالية، وإقامة حكمها الخاص القائم على تفسير متشدد للشريعة الإسلامية.
وبعد طردها من مقديشيو، عام ٢٠١١، فقدت حركة الشباب سيطرتها على معظم مدن وبلدات البلاد، إلا أنها لا تزال تحتفظ بتواجد عسكرى قوى فى الريف الصومالي، خاصة فى جنوب، ووسط البلاد، وتتركز معظم هجمات الحركة فى مناطق بولايات هيرشبيلى وجوبالاند فى جنوب الصومال، كما تنفذ هجمات فى كينيا، معظمها فى منطقة تقع على الحدود مع الصومال للضغط على الحكومة الكينية، لسحب قوات حفظ السلام التابعة لها من الصومال.
وفى ٢١ يونيو الماضي، ذكرت منظمة «كنترول رسكس» البحثية، التى تتخذ من العاصمة البريطانية مقرا لها، أن حركة «الشباب» المتطرفة، المحسوبة على تنظيم القاعدة، قامت بشن ٨٧٩ هجوما فى الصومال وكينيا منذ أبريل ٢٠١٧. ونقلت «إذاعة دلسن» الصومالية عن المنظمة البحثية، قولها، إن هجمات هذه الحركة فى تصاعد منذ ٢٠١٣، وإن هذه الحركة تخوض قتالا شرسا ضد الحكومة الصومالية وقوات بعثة الاتحاد الأفريقى فى الصومال «أميصوم».
وحسب دراسة نشرها مركز مقديشيو للبحوث والدراسات فى ٢٥ ديسمبر ٢٠١٦، فإن هناك عدة أسباب ساعدت على تصاعد هجمات التنظيمات المتشددة فى البلاد، من أبرزها تراجع اهتمام العالم بشئون الصومال، مع أزمات سوريا واليمن والعراق، وغيرها، والإحباط من فشل الزعماء السياسيين فى البلاد، رغم الدعم الكبير الذى حصلوا عليه خلال الأعوام الماضية، فى بناء نظام سياسى توافقى وإعادة الأمن والاستقرار، وتلبية احتياجات الشعب اليومية كالمياه النظيفة والنظافة، بالإضافة إلى انتشار الفساد وسوء استغلال المال العام.
وأضافت الدراسة أنه فى نهاية عام ٢٠١٢، شهد الصومال تحولات سياسية تمثلت بانتهاء المرحلة الانتقالية، وتكوين برلمان فيدرالى جديد، وانتخاب حسن شيخ محمود رئيسا للبلاد، وأعلن المجتمع الدولى حينها مساعدة النظام الجديد وعقدت عدة مؤتمرات فى لندن وبروكسل وروما وفى دول إقليمية أخرى، وأرسلت بعثات متعددة إلى مقديشيو وتعهدت الدول المانحة بملايين الدولارت بهدف النهوض للاقتصاد الصومالي، لكن كل هذه الوعود ذهبت أدراج الرياح بسبب إخفاق الزعماء الصوماليين فى تبديد مخاوف المجتمع الدولي، وتوقف المفاوضات مع إدارة «صومالاند» فى الشمال، وازدياد نفوذ حركة الشباب التى تقاتل من أجل تقويض الجهود الدولية والمحلية لإعادة بناء الصومال وإقامة نظام سياسى ديمقراطي، بجانب استمرار سلطة القبيلة، وتحديها للسلطة التنفيذية.
” انتهى”.
المصدر : البوابة نيوز.