الأربعاء 20 شوال 1439هـ الموافق 04-07-2018 مقديشو ( صوت الصومال) ـــ  احتفل الشعب الصومالي هذا الأسبوع بالعيد الوطني السادس والخمسين، الذي يواكب ذكرى الاستقلال واتحاد شطري البلاد في الأول من يوليو عام 1960، وتقع الصومال تلك البلاد الضاربة جذورها في أعماق التاريخ متشابكة مع الحضارة الفرعونية والحضارة اليمنية القديمة على الجانب الآخر من البحر، في منطقة القرن الأفريقي. يحدها من الشمال الغربي جيبوتي، وكينيا من الجنوب الغربي، وخليج عدن من الشمال والمحيط الهندي من الشرق وإثيوبيا من الغرب. وتملك أطول حدود بحرية في قارة أفريقيا.تتسم تضاريسها بالتنوع بين الهضاب والسهول والمرتفعات.
كانت الصومال قديما أحد أهم مراكز التجارة العالمية بين دول العالم القديم. حيث كان البحارة والتجار الصوماليون الموردين الأساسيين لكل من اللبان (المستكة) ونبات المر والتوابل التي كانت تعتبر من أقيم المنتجات بالنسبة للمصريين القدماء والفينيقيين والبابليين، الذين ارتبطت بهم جميعا القوافل التجارية الصومالية، وأقام الصوماليون معهم العلاقات التجارية. وبالنسبة للعديد من المؤرخين، يرجح أن تكون الصومال في نفس موقع مملكة البنط القديمة التي كانت تربطها علاقات وثيقة مع مصر الفرعونية خاصة في عهدي الفرعون “ساحو رع” من ملوك الأسرة الخامسة عصر الدولة القديمة، والملكة “حتشبسوت” من ملوك الأسرة الثامنة عشرة عصر الدولة الحديثة،  ويرجح ذلك التكوينات الهرمية والمعابد والمباني التي تم بناؤها بالجرانيت والرخام التي يرجع زمانها إلى نفس الفترة التي يرجع إليها مثيلتها من المباني في مصر القديمة. وفي العصر القديم، تنافست العديد من الدويلات التي نشأت في بعض مناطق الصومال مثل شبه جزيرة حافون ورأس قصير ومنطقة مالاو مع جيرانهم من مملكة سبأ والأرشكيين والأكسميين على التجارة مع ممالك الهند والإغريق والرومان القديمة.
ومع ميلاد الإسلام على الجهة المقابلة لسواحل الصومال المطلة على البحر الأحمر، تحول تلقائيا التجار والبحارة والمغتربون الصوماليون القاطنون في شبه الجزيرة العربية إلى الإسلام، وذلك من خلال تعاملهم مع أقرانهم من التجار العرب المسلمين. ومع فرار العديد من الأسر المسلمة من شتى بقاع العالم الإسلامي خلال القرون الأولى من انتشار الإسلام، بالإضافة إلى دخول أغلبية الشعب الصومالي إلى الإسلام سلميا عن طريق المعلمين الصوماليين المسلمين الذين عملوا على نشر تعاليم الإسلام في القرون التالية، تحولت الدويلات القائمة على أرض الصومال إلى دويلات ومدن إسلامية مثل مدن مقديشو وبربرة وزيلع وباراوا ومركا التي كونت سويا جزءا من الحضارة البربرية. وقد عرفت مقديشو بعد انتشار الإسلام في الصومال باسم “مدينة الإسلام” كما تحكمت في تجارة الذهب في منطقة شرق أفريقيا لقرون طويلة. وفي العصور الوسطى، سيطرت على طرق التجارة العديد من الإمبراطوريات الصومالية القوية، منها إمبراطورية عجوران التي حكمت المنطقة في الفترة بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر للميلاد التي برعت في الهندسة الهيدروليكية وبناء الحصون، وكذلك سلطنة عدل التي كان قائدها الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي الملقب “بالفاتح” أول عسكري إفريقي يستخدم المدفعية العسكرية على مدار التاريخ خلال حربه ضد إمبراطورية الحبشة في الفترة الممتدة بين عام 1529 وحتى عام 1543، وأيضا حكام أسرة جوبورون التي أرغمت سيطرتهم العسكرية حكام مدينة لامو من سلاطين الإمبراطورية العمانية على دفع الجزية للسلطان الصومالي أحمد يوسف، رابع سلاطين أسرة جوبورون الذي حكم في الفترة الممتدة بين عامي 1848 حتى 1878. وخلال القرن التاسع عشر وبعد انعقاد مؤتمر برلين عام 1884، أرسلت الإمبراطوريات الأوروبية العظمى جيوشها إلى منطقة القرن الأفريقي بغية السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية في العالم، ما دفع الزعيم محمد عبدالله حسان، مؤسس الدولة الدرويشية، إلى حشد الجنود الصوماليين من شتى أنحاء القرن الإفريقي وبداية واحدة من أطول حروب المقاومة ضد الاستعمار على مدار التاريخ.
استطاعت الصومال في البداية مقاومة الاستعمار حيث تمكنت دولة الدراويش من صد هجوم الإمبراطورية البريطانية أربع مرات متتالية وأجبرتها على الانسحاب نحو الساحل. وهزمت دولة الدراويش في عام 1920 عندما استخدمت القوات البريطانية الطائرات خلال معاركها في أفريقيا لقصف “تاليح” عاصمة الدولة الدرويشية، وبذلك تحولت كل أراضي الدولة إلى مستعمرة تابعة للإمبراطورية البريطانية. كما واجهت إيطاليا نفس المقاومة من جانب السلاطين الصوماليين ولم تتمكن من بسط سيطرتها الكاملة على أجزاء البلاد المعروفة حاليا بدولة الصومال إلا خلال العصر الفاشي في أواخر عام 1927 واستمر هذا الاحتلال حتى عام 1941 حيث تم استبداله بالحكم العسكري البريطاني. وظل شمال الصومال مستعمرة بريطانية في حين تحول جنوب الصومال إلى دولة مستقلة تحت الوصاية البريطانية إلى أن تم توحيد شطري الصومال عام 1960 تحت اسم جمهورية الصومال الديموقراطية.
تم قبول الصومال عضوا في جامعة الدول العربية عام 1974. كما عملت الصومال على توطيد علاقاتها بباقي الدول الأفريقية، فكانت من أولى الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي وكونها إحدى الدول الإسلامية كانت الصومال واحدة من الأعضاء المؤسسين لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وكذلك عضوا في منظمة الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز. وبالرغم من معاناتها جراء الحرب الأهلية وعدم الاستقرار على المستوى الداخلي، نجحت الصومال في إنشاء نظام اقتصادي حر يفوق العديد من الأنظمة الاقتصادية الأفريقية الأخرى حسب دراسة لمنظمة الأمم المتحدة.
وقد جاءت احتفالات البلاد هذا العام وهي تستعيد عافيتها لتضمد جراحها وتلملم ما فاتها خلال الحرب الأهلية والصراعات التي اندلعت منذ الإطاحة بنظام الرئيس السبق محمد سياد بري، وعينها على تحقيق الأمن والاستقرار والشروع في البناء والتنمية ومواجهة بقايا الخلايا الإرهابية التي تطل برأسها بين الفينة والأخرى لتعطل مسيرة هذا البلد العربي المسلم الأصيل والفاعل في مسيرة أمته وقارته الأفريقية.
” انتهى”.

المصدر : وكالة يونا.