الإثنين 10 ربيع الثاني  1438 الموافق 09-01-2017 مقديشو (صوت الصومال) ـ  باتت الصومال مرشحة وبقوة لأن تتصدر المشهد الانساني العالمي لعام 2017، بسبب استمرار تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية للبلاد وبوادر أزمة جفاف تلوح في الأفق وسط نداءات دولية بضرورة إنقاذ خمسة ملايين صومالي من مصير لا تتمناه معظم المؤسسات العاملة في مجالي الإغاثة والتمويل.

ويشير أحدث تقارير (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية – أوتشا) إلى أن أكثر من 60% من سكان الصومال يحتاجون إلى تدخل إنساني عاجل معظمهم من الأطفال دون سن الخامسة ممن يعانون من سوء التغذية الحاد جراء الجفاف الشديد، وتدهور الخدمات الأساسية وزيادة حركة النزوح داخل البلاد.

وقال التقرير: “إن مأساة الصومال تتضاعف نتيجة العجز عن الوصول إلى الفئات المستهدفة، بسبب توتر الأوضاع السياسية والعسكرية في البلاد، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الفئات الأكثر ضعفاً وهي النساء والأطفال وكبار السن، وتقدر أعدادهم بحوالي 3.3 مليون شخص إضافة إلى أكثر من مليوني شخص يعانون للحصول على مياه شرب نظيفة ويسعون لتوفير الحد الأدنى من خدمات التعليم والصحة”.

ويرى التقرير الأممي أن تدهور الأوضاع الأمنية في اليمن ضاعف من آلام الصومال بسبب موجة الهجرة العكسية الطوعية للصوماليين إلى موطنهم الأصلي، ويقدر عددهم بنحو 30 ألف مواطن ومثلهم تقريبا عادوا طواعية من كينيا، يضاف إليهم آلاف النازحين الذين يطالبون بحقهم في مياه وطعام وصرف صحي ومرافق صحية لائقة في مناطق تعاني من نقص التمويل.

ويشير تقرير (أوتشا) الخاص بالاحتياجات الأساسية للصومال في عام 2017، إلى أن الأوضاع الانسانية السيئة والمرشحة لمزيد من التدهور خلال العام الجديد افرزت تحديات اجتماعية جمة منها على سبيل المثال الزواج القسري للقاصرات، وانتهاكات حقوق الإنسان والتمييز والعنف ضد المرأة بشتى ألوانه مثل الاغتصاب والاعتداء الجنسي.

وثمّن التقرير حرص الصومال على تجاوز عقود من الاضطرابات السياسية التي عادت بالبلاد إلى الخلف في مسارات التنمية المختلفة، لكن في الوقت ذاته ذكر أن الاحتياجات الانسانية المتضاعفة لا تزال تقف حجر عثرة أمام تحقيق الاستقرار الكامل بالبلاد، إذ لا زالت المؤشرات الاجتماعية الأساسية للصومال من بين أدنى المعدلات في العالم ويحتاج 40% من سكانها البالغ نحو 12.3 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة.

ووفقا لتقرير “أوتشا” فإن ندرة الأمطار والجفاف الذي أثر على مساحات واسعة من الصومال خلال شهر نوفمبر من العام الماضي، سيستمر حتى الربع الثاني من العام الجاري، وهو الأمر الذي يعني مزيدا من تدهور صناعة تربية المواشي وإنتاج الحبوب على نطاق واسع بمعدلات انخفاض قد تصل حتى 70% مقارنة بالفترة ما بين عامي 2011- 2015.

ويحذر التقرير من الآثار الصحية والاجتماعية التي قد تترتب على الجفاف في الصومال وعلى رأسها زيادة خطر الإصابة بمرض الكوليرا – حيث بدأ الانتشار بالفعل في بعض المناطق – وكذلك تعرض ما يربو عن 35 ألف طفل للتسرب من التعليم نظراً لاضطرار ذويهم الى النزوح بحثا عن الكلأ والمياه.

ويعتمد 60% من سكان الصومال على الزراعة والرعي، لكن بسبب موجة الغلاء العالمية التي تشهدها المواد الخام والأسمدة إضافة إلى مرور البلاد بأربعة مواسم زراعية بدون أمطار، وتفاقم ظاهرة “النينو” كل هذا أدى إلى تدهور الاقتصاد الصومالي وضاعف من مأساة السكان.

“وظاهرة النينو التي ضربت الصومال العام الماضي هي ظاهرة مناخية طبيعية تحدث كل ثلاث سنوات في المحيط الهادئ، وقد تستمر هذه الظاهرة لمدة خمس سنوات، وتتسبب في تبدلات مناخية في كل الكرة الأرضية، وتتمثل في الجفاف والفيضانات وتدمير المحاصيل الزراعية، بالإضافة إلى زيادة معدلات الاختناق والكثير من الأمراض الناجمة عن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة”.

ووفقا للبنك الدولي، فإن متوسط دخل الفرد في الصومال يبلغ حوالي 435 دولارا سنوياً مما يجعلها واحدة من أفقر دول العالم وتواجه تحديات كبيرة فيما يتعلق بإمكانية تنفيذ خطة الاستجابة العاجلة 2016- 2018.

وقد أطلقت الأمم المتحدة نداء إنسانيا في إطار خطة الاستجابة الخاصة بالوضع في الصومال حتى نهاية عام 2017 بهدف جمع تمويل دولي يقدر بحوالي 846 مليون دولار تخصص لتقديم مساعدات عاجلة لنحو 3.9 مليون شخص من خلال ثلاثة مسارات أساسية هي: توفير الحد الأدنى من السبل للبقاء على قيد الحياة، وتوفير الخدمات الأساسية لبناء القدرة على التكيف،وتعزيز حماية الفئات الضعيفة.

وتؤكد تقارير المنظمات الطبية العاملة في الصومال أن وباء الكوليرا بدأ في الانتشار داخل الصومال منذ مطلع ديسمبر الماضي، وضرب عدة قرى في مناطق متفرقة بالبلاد، وقد نقل 48 شخصاً لتلقي العلاج في مراكز صحية أعدتها منظمات الأمم المتحدة في المناطق الأشد فقراً، ثم تضاعفت الأعداد حتى منتصف ديسمبر وتم تسجيل 151 حالة في المستشفى الإقليمي بمدينتي “جوهر” و “جلالكسي”، وتشير الإحصائيات إلى أن 60% من المصابين هم من الأطفال في المرحلة السنية ما دون السادسة.

وفي أول رد فعل دولي حيال تفشي وباء الكوليرا في الصومال، فمن المنتظر أن يتم توفير مليون جرعة من اللقاح “الفموي” لأول مرة للمصابين داخل الصومال قبل نهاية يناير الجاري استجابة لطلب الحكومة الاتحادية في البلاد من الشركاء بالأمم المتحدة لوقف المرض، وإنقاذ الأطفال الذين يتعرضون له يوميا جراء تهالك شبكات المياه والصرف الصحي.

وبحسب تقرير (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية- اوتشا) حول الأوضاع الإنسانية للصومال لعام 2017 فإن مرض الحصبة كذلك لا يزال في أعلى معدلات انتشاره خاصة في المناطق الوسطى والجنوبية وذلك بسبب العجز عن الوصول بحملات التطعيم إلى 18 منطقة نظرا للأوضاع السياسية والأمنية بالبلاد.

كما يحذر التقرير من عودة مرض شلل الأطفال للظهور مرة أخرى في عدة مدن داخل الصومال رغم إعلان خلو البلاد من هذا المرض قبل عامين، إلا أن تدهور منظومة التطعيم والتحصين جعلت الصومال مرشحة وبقوة للإصابة بهذا المرض مرة أخرى بين سكانها.

ويسرد التقرير في ختام عرضه للأوضاع في الصومال بعض الأرقام عن الأوضاع الإنسانية هناك، ويقول إن المؤشرات الإنسانية والتنموية في هذا البلد لا تزال من بين الأسوأ في العالم، إذ أن أقل من نصف عدد السكان لم يحصل على تعليم جامعي وأن معدلات التعليم العالي هي الأدنى دوليا منذ اندلاع الحرب الأهلية في البلاد عام 1990.

ويوجد نحو ثلاثة ملايين طفل في سن الدراسة لم تتح لهم فرصة الالتحاق بمدارس نظامية، وتبلغ نسبة من انتظموا في التعليم الأساسي من أبناء المخيمات والقرى حوالي 17% فقط في ظل عجز في التمويل الحكومي لمراكز التعليم الموجودة خارج الكتل الحضرية بما يجعلها مهددة بالإغلاق.

وبشكل عام فإن 45% من سكان الصومال ليس لديهم إمدادات لمياه الشرب النظيفة، وأن 37% من السكان لا يحصلون على خدمات الصرف الصحي.

وفي مجال الخدمات الصحية تحتل الصومال المركز الثالث عالمياً من حيث سوء الخدمة الطبية المقدمة لمواطنيها بما في ذلك النقص الحاد في الأدوية والمستشفيات، كما تحتل المركز الخامس عالميا في معدل وفيات المواليد تنافسها في ذلك أنغولا وجمهورية أفريقيا الوسطى، حيث يموت في الصومال طفل من بين كل سبعة أطفال قبل أن يكمل عامه الأول، وتموت واحدة من بين كل 18 امرأة أثناء الولادة.

يذكر أن الصومال يعاني من آثار الحرب الأهلية التي اندلعت بالبلاد عام 1991 عقب خلع الرئيس الأسبق محمد سياد بري، ثم في يناير من عام 1991 تم اختيار “علي مهدي محمد” عن طريق المجموعة الصومالية كرئيس مؤقت للبلاد إلا أن اختياره لاقى اعتراضا شديدا من القوى السياسية والعسكرية بالبلاد، مما أحدث انقساما على الساحة السياسية الصومالية بين الفرقاء ودخلت البلاد في أتون صراع مسلح أدى إلى تأخرها لعقود عن ركب التنمية والتطور.

” انتهى”.

المصدر : خليج العيون.